صديق الحسيني القنوجي البخاري

576

فتح البيان في مقاصد القرآن

مَعْلُومٍ والمعنى أن اللّه سبحانه لا يوجد للعباد شيئا من تلك الأشياء المذكورة إلا متبلسا ذلك الإيجاد بمقدار معين حسبما تقتضيه مشيئته على مقدار حاجة العباد إليه كما قال تعالى : وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ [ الشورى : 27 ] وقد فسر الإنزال بالإعطاء وبالإنشاء وبالإيجاد والمعنى متقارب . وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ جمع ريح وهو جسم لطيف منبث في الجو سريع المرور لَواقِحَ أي حوامل لأنها تحمل السحاب أي تقله وتصرفه ثم تمر به فتنزله ، قال تعالى : إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا [ الأعراف : 57 ] أي حملت وناقة لاقح إذا حملت الجنين في بطنها قاله الأزهري ، وبه قال الفراء وابن قتيبة ، وقيل لواقح بمعنى ملقحة ، قال ابن الأنباري : تقول العرب أبقل النبت فهو بأقل أي مبقل والمعنى انها تلقح الشجر أي تقويها ، وقيل معنى لواقح ذوات لقح ، قال الزجاج : معناه ذوات لقحة لأنها تعصر السحاب وتدره كما تدر اللقحة ، يقال رامح أي ذو رمح ولابن أي ذو لبن وتأمر أي ذو تمر . قال أبو عبيدة : لواقح بمعنى ملاقح ذهب إلى أنها جمع ملقحة ، وفي هذه الآية تشبيه الرياح التي تحمل الماء بالحامل ولقاح الشجر بلقاح الحمل ، قال ابن مسعود : يرسل اللّه الريح فتحمل الماء فتلقح به السحاب فتدر كما تدر اللقحة ، ثم تمطر ، وعن ابن عباس نحوه ، وعن عبيد بن عمير قال : يبعث اللّه المبشرة فتقم الأرض قما ، ثم يبعث اللّه المثيرة فتثير السحاب فتجعله كسفا ثم يبعث اللّه المؤلفة فتؤلف بينه فتجعله ركاما ثم يبعث اللّه اللواقح فتلقحه فتمطر . وأخرج ابن جرير وابن أبي الدنيا وأبو الشيخ والديلمي بسند ضعيف عن أبي هريرة قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « ريح الجنوب من الجنة وهي الريح اللواقح التي ذكر اللّه في كتابه » قال أبو بكر بن عياش لا تقطر قطرة من السماء إلا بعد أن تعمل الرياح الأربع فيها فالصبا تهيج السحاب والشمال تجمعه والجنوب تدره والدبور تفرقه . فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ أي من السحاب وكل ما علاك فأظلك فهو سماء ، وقيل من جهة السماء السَّماءِ المراد هنا ماء المطر فَأَسْقَيْناكُمُوهُ أي جعلنا ذلك المطر لسقياكم ولشرب مواشيكم وأرضكم ؛ قال أبو علي : يقال سقيته الماء إذا أعطيته قدر ما يروي وأسقيته نهرا أي جعلته شربا له ، وعلى هذا فأسقيناكموه أبلغ من سقيناكموه ، وقيل سقى واسقى بمعنى واحد . وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ بل نحن الخازنون له ، فنفى عنهم سبحانه ما أثبته لنفسه في قوله : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وقيل إن المعنى ما أنتم له بخازنين بعد أن أنزلناه عليكم ، أي لا تقدرون على حفظه في الآبار والغدران والعيون ، بل نحن الحافظون له فيها ليكون ذخيرة لكم عند الحاجة إليه .